إذا كان الإنسان كائنا عاقلا، فهل العقل هو
المصدر الوحيد للمعرفة؟
الطريقة جدلية
طرح المشكلة:
إن عملية المعرفة ومصادرها ترتبط دائما بالذات
العارفة، وسعيها للحصول على المعرفة واكتسابها، وهذا يقتضي بالضرورة أن تكون الذات
عاقلة وواعية، تعبر عن قدرة الإنسان على المعرفة. . مما جعل الكثير من الفلاسفة
يعتقدون أن العقل هو أصل المعارف ومصدرها الوحيد، لكن هناك من شكك في هذه الحقيقة
واعتبر أن الواقع والتجربة الحسية مصدر المعارف كلها، وهذا ما ولد جدلا وصراعا
فكريا عنيفا بين العقلانيين والتجريبيين حول أصل المعرفة ومصدرها، لذلك نتساءل: هل
مصدر المعرفة هو العقل أم التجربة؟
عرض الأطروحة (الموقف الأول):
إن العقل قوة فطرية في النفس مهيأة لتحصيل
المعرفة وتصور المعاني وإصابة الأحكام، لهذا عرفه "الكندي" على أنه
"جوهر بسيط مدرك للأشياء بحقائقها". وهذا يعني أن العقل فطرة في الإنسان
تحمل مجموع المبادئ القبلية المنظمة للمعرفة من هنا اعتبر العقليون العقل المصدر
الأول للمعرفة، والأداة الأساسية لكل استدلال منطقي، مما يعني أنه لا معارف صحيحة
ولا حقائق يقينية مقبولة دون ردها إلى العقل ومبادئه الأساسية، لأنه جوهر الفكر
وأصل المعارف كلها، ومن أشهر المدافعين عن هذا الاعاه ها، بناء "ديكارت"، "ليسر"، "مالبرانش"، ويبررون
موقفهم بالتأكيد، أن جميع معارفنا تستمد، وحدتها وصفاتها اليقينية من العقل، لأن
مبادئه يقينية، فلا بد أن تكون المعرفة المستمدة منه بدورها يقينية، ولهذا رفض
هؤلاء المعرفة الحسية لأنها تحمل الخداع و الشك والتغير، كما يؤكد العقليون أن
المعارف الكلية التي تتصف بالضرورة والبداهة والوضوح لا تحصل إلا بالعقل لهذا قال
أحد فلاسفتهم: "لا توجد وظيفة أسمى من العقل" ض ف إلى هذا أن إدراك
الحقائق الحدسية كالله، النفس والامتداد وربط العلاقات بين خ صائص الأشياء وإصدار
الأحكام واستنباط النتائج، وتعميمها أساسها فعل العقل و مبادئه الأساسية، ومن هنا
تستمد الرياضيات يقينها وقيمتها كنموذج للوضوح والبداهة، لهذا يقول "باركلي": "إن
مختلف الإحساسات أو الأفكار المطبوعة في الإدراك الحسي، مهما كانت مختلفة أو مركبة
لا يمكن أن توجد بأي شكل آخر إلا في عقل يدركها". وبناء على هذا كان
العقل هو مصدر المعرفة والميزان الضروري لكل الحقائق.
النقد :
غير أن ما يؤاخذ عليه أصحاب المذهب العقلى أنهم
يسلمون بوجود أفكار فطرية مطلقة الصحة واليقين، رغم أن كل الدلائل في الواقع تكذب
هذه الصحة المنطقية لأن المعايير تتبدل وتتغير، فالوضوح مثلا لا يصلح كمعيار ص حيح
في كل الأحوال... كما أن الأطر والمبادئ القبلية للعقل ليست ثابتة بل يمكن أن
تتطور وتتعدل بحسب الخبرة والتجارب، وتاريخ المعرفة يشهد بذلك، ضف إلى هذا أن
العقل لا يبدع المعرفة و يخلقها وإنما يجردها من مضامينها بمعنى أن صورة المعرفة
ذاتية عقلية، لكنها من حيث المضمون فهي موضوعية واقعية.
(" نقيض الأطروحة (الموقف
الثاني):
يعتقد
التجريبيون وعلى رأسهم "فرنسيس بيكون"، "جون لوك"، "
دفيد هيوم" أن التجربة الحسية هي أساس المعرفة ومصدرها الأول، فكل ما يحصل
عند الإنسان من معارف ومكتسبات يرد إلى الواقع الحسي، ومن هنا ينكر التجريبيون
وجود مبادئ عقلية فطرية قبلية، لأن كل المعارف بعدية تكتسب بالتجربة، لذا يؤكدون
أن العقل يولد صفحة بيضاء خالية من أي أفكار فطرية ولو كان غير ذلك لكان حظ الناس
من المعارف متساويا، والواقع يثبت عكس ذلك، يقول "جون
لوك": "لو كان الناس يولدون وفي عقولهم
أفكار فطرية، لتساووا في المعرفة"، هذا لا وجود الشيء في الذهن ما لم
يكن من قبل في الحس حسب رأي "لوك"، ويقول "دفيد
هيوم": "لا شيء من الأفكار يستطيع أن
يحقق لنفسه ظهورا في العقل، ما لم يكن قد سبقته ومهدت له الطريق انطباعات مقابلة
له"، لذلك فمصدر المعارف كلها أساسه التجربة الحسية وما العقل إلا
مرآة عاكسة للواقع، ومستودع للمعرفة وأداة منظمة الها. يقول "ج. س. مل":
"إن الخطوط والأشكال والدوائر الموجودة في الأذهان
ما هي إلا مجرد نسخ طبق الأصل للخطوط والأشكال والدوائر الموجودة في
الطبيعة". ويقول "دفيد هيوم":
"أنا لست إلا حزمة من الإدراكات الحسية، كل الأفكار
نسخ مباشرة أو غير مباشرة من الانطباعات الحسية". كل هذا يؤكد أن
التجربة هي المصدر الأول للمعرفة ولا شيء قبلها.
النقد :
*لكن هذا الاتجاه الذي يؤسس المعرفة على
التجربة كمصدر وحيد لها واجهته انتقادات عديدة منها: أن التجربة الحسية مهما كان
لها من دور ومن قدرة في
تحصيل المعارف فإنها تبقى غير كافية، على اعتبار أن مضامين المعرفة الإنسانية و
موضوعاتها ليست كلها تجريبية . ثم كيف للمعارف التجريبية أن تأخذ
مدلولاتهما ومعانيها إن لم يكن هناك عقل ينظمها، و يفهمها ويضفي عليها صبغة
المعرفة؟ فكما أن كومة الحجارة لا تصنع بیتا لوحدها، كذلك مجموع الانطباعات الحسية
لا يمكنها أن تبني معرفة.
التركيب:
إن الصراع والجدال الفلسفي بين الاتجاهين
العقلاني والتجريبي حول مصدر المعرفة أدى إلى ظهور موقف يوفق بين هذين الاتجاهين
وينتقد في نفس الوقت دور العقل والحواس و
بن حدود كل ماه)، وقا، تم ها الاعاه الفيلسوف " عمانویل کانمل" مؤسس الفلسفة النفا، ياه، حيث بؤ کا، أن عملية
المعرفة تبدأ من التجربة الحسية المتمثلة في الانطباعات التي تنقلها إلينا الحواس
عن الأشياء (مادة معرفة)، لكن هذه المادة المعرفية لا يكون لها معنى محدد إلا إذا
تدخل العقل، ورتبها ونظمها وفق تصوراته ومقولاته (بناء صورة المعرفة)، فعالم
الأشياء والظواهر كما تنقله لنا الحواس - حسب كانط - مجرد شتات معرفي لا يمكن فهمه
إلا بواسطة العقل الذي يجمع هذا الشتات وينظمه على شكل معارف بفضل مقولاته
الأساسية، يقول "كانط": "ينبغي إذا
أن يتقدم العقل إلى الطبيعة ماسكا بيده مبادئه التي تستطيع هي وحدها أن تمنح
الظواهر المتطابقة سلطة القوانين، وباليد الأخرى التجريب الذي تخيله وفق تلك
المبادئ حتى يتعلم من الطبيعة لا محالة"، وانطلاقا من هذا التصور يتضح أن المعرفة عند "كانط" عملية مركبة يساهم فيها العقل والحواس معا.
حل المشكلة:
و عليه نستنتج أن الإنسان مهما كان عاقلا فإن العقل لا يكفي لوحده كمصدر للمعرفة،
كما أن التجربة أيضا تبقى قاصرة لوحدها لهذا كانت المعرفة الإنسانية عملية تركيب
بين ما هو عقلي وما هو تحريي لهذا قال "كانط": "الحدوس الحسية بدون مفاهيم تظل عمياء،
والمفاهيم بدون حدوس حسية تظل جوفاء".
تحميل المقالة على شكل PDF هنــــــا
