JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
Accueil

التذكر بين المعرفة والتوازن النفسي

 التذكر بين المعرفة والتوازن النفسي

 إن فعل الإدراك لا يتم إلا من خلال علاقة الموضوع بالات الماركة، حيث تتداخل كل الفاعليات العقلية من تخيل وانتباه وذكاء وتا۔ کر لأجل تحقيق فعل الإدراك، وتتداخل تلك الفاعليات العقلية لتشكل عنصر معرفة وإدراك العالم الخارجي، مع ما يهدف إليه التوازن النفسي الذي يظهر على شكل انفعالات تلقائية تحقق تكيفا ذاتيا للفرد . و بهذا نحن نلجأ إلى خبرات ماضية الفهم وضع حاضر ومعرفته عن طريق الذاكرة التي تقوم بعملية الاسترجاع للمعارف والمعلومات التي مرت بنا كخبرات ماضية . ويلعب فعل التذكر دورا هاما في حياة الإنسان سواء من الناحية المعرفية أو الانفعالية، والأفراد يختلفون في معارفهم وتوازنهم النفسي باختلاف القدرة على استدعاء ذكرياتهم، ولكن أين تكمن القيمة النفسية للتذكر ؛ هل في دور العقل أم في دور الانفعالات التلقائية ؟ 
1. الذاكرة العقلية والتذكر الإرادي : تعتبر الصور العقلية عونا للذاكرة ؛ ذلك أن ما نتصوره في أي أداة حسية أو عقلية نستطيع تذکره بسهولة أكثر، ومع أن هنالك وسائل كثيرة لتحسين الذاكرة، فإن الصور البصرية والحسية الأخرى تبقى متفوقة في الاهتمام، وهي لا تدرك إلا موضوع، وهذا الموضوع ليس سوى خبرات وصور . والذاكرة العقلية هي ذاكرة الأفكار والمعاني والبراهين سواء بالنسبة إلى أبعاد العلاقة المنطقية بين أجزاء الحادثة الواحدة، أو أجزاء الحوادث الكثيرة، ".. وهذا ما ينتهي بالشهود غالبا إلى الاعتقاد بأنهم رأوا ما كانوا يودون رؤيته، فإذا تذكروا حديثا بجميع ألفاظه، كانت ذاكرتهم حسية، وإذا لم يتذكروا من الحديث إلا معانيه ، كانت ذاكرتهم عقلية " . كما أن للذاكرة العقلية أثر عميقا في مطالعة الكتب واكتساب العلوم ، وهي هامة جدا عند الفلاسفة والعلماء، لأنهم يتذكرون مثلما يتخيلون، وهذه الذاكرة العقلية تنضم إلى جميع أنواع الذاكرة فتؤلف معها كلا عضوية واحدة، وأقل الناس تفكيرا يستعين بالفهم على الحفظ . ومن صور الذاكرة العقلية التذكر الإرادي .

- التذكر الإرادي : 
وهو يقتضي تدخل مجموعة من الملكات العقلية والوظائف کالاستدلال، واصطفاء ما نبحث عنه وما هو مطلوب، والربط بين الصور، ومعرفة العلاقة بين السبب والنتيجة ؛ وهذا ما يعرف بالاستدعاء الإرادي، فهل ما نسترجعه هو صورة مطابقة أو نسخة من الواقع ومن ثم يمكن اعتبار هذه الاستعادة إحياء أماني کما عشناه في حينه، أم أن العقل يعيد بناء الماضي كما يريد ؟ في إحدى رواياته الواقعية يتأفف الكاتب المسرحي الروسي إيفان تورغينييف (1883_1818.I Tourgueniev) من الماضي، ومن الذكريات التي سببت له الألم؛ إنه لا يريد أن يتذكر تلك الأحداث، بل يود لو أنها انتزعت من ساحة شعوره فهو يريد أن يعيش الماضي الذي يريده لا الماضي كما هو : " .. ماذا أريد ؟ لقد خلفت ورائي غني وفقرا، وبعد ذلك موت والدي، والزواج، ثم التأفف الذي لا مفر منه [...] فذكرياتنا عديدة ولكن لاشيء أود تذكره " 
إن الإنسان يعيد في أحيان كثيرة بعض الحوادث التي تتفق وما يريده، ويسقط البعض الآخر الذي يرتبط بحوادث مؤلمة، وقد يدفعه ذلك إلى تغيير المكان الذي يرتبط بتلك الحوادث، أو إشغال نفسه بأعمال كهروب من تلك الحلقة من الماضي ؛ وكل هذا تصرف في الماضي . إننا نكون أحيانا تحت ضغط معرفة معلومة هامة لكننا لا نستطيع تذكرها في تلك اللحظة فتحضرنا مجموعة من المعلومات إلى ساحة الشعور وندرك أنها ليست ما نطلبه، وكأن العقل بهذا يملك أسئلة يطرحها فتقوم الذاكرة بإحياء مجموعة من الصور والمعانی، وتعيدها إلى ساحة الشعور ليختار منها العقل ما يحتاج إليه وما يريده .

2. الذاكرة الانفعالية والتذكر العفوي :
في ذكرى دخول الألمان مدينة باريس 4 يشير الفرنسيون ممن عايشوا هذا الحدث ، أنهم يشعرون من جديد بالغم الذي ساورهم يوم استيلائهم عليها ، فإذا هذا الغم انفعال جد یا۔ ناشئ عن ذکری عقلية. وكثير من الناس تغرورق أعينهم بالدموع کلما تا۔ کروا موت أحباء لهم، فيشعرون من جديد بالحزن الذي أصابهم يوم وفاتهم، فكل حالة نفسية حاضرة هي جديدة بالنسبة إلى ما قبلها سواء كانت عقلية أم انفعالية . والتا. کر ليس إحياء للحالات السابقة بذاتها، وإنما هو إبداع حالات جديدة مشابهة الحالات الماضية، فهل يمكن الاعتقاد أن الإنسان وهو يتذكر حوادثة الماضية ، وأحوال، الانفعالية. يبحث عن توازنه النفسي ؟
اختلف الباحثون في أمر الذاكرة الانفعالية، فمنهم من قال أنها حقيقية مثل ریبو، بناء على أن من خواص الأحوال النفسية عامة، سواء كانت عقلية أو انفعالية، أن تبعث من زوايا النسيان ؛ ومنهم من أنكر وجود الذاكرة الانفعالية كوليم جيمس لأن الشيوخ عنده لا يسترجعون انفعالات الشباب. ولكنهم اتفقوا على أن هذه الانفعالية تختلف باختلاف الأشخاص فقد تكون قوية واضحة، وقد تكون ضعيفة، كما اتفقوا، بالمقابل، على دور الذاكرة في حياتنا الانفعالية " .. فلولا الذاكرة لجفت العواطف، ولولا الماضي لغاب عن الإنسان وجه التأسي ؛ فالذاكرة تحيي العواطف، وتوقظ الميول، وتجدد الانفعالات . 
وتظهر أهمية الذكريات وتصور الماضي أيضا في تكوين الشخصية ؛ فهوية الفرد إنما بدأت في الماضي، ومن فقد القدرة على استرجاع هذا الماضي والوعي به فقد وحدة شخصيته وفقد توازنه النفسي .
 ا - التذكر العفوي : إن حقيقة الذاكرة كاسترسال شعوري واحد في الاستعادة اللفظية والتصورية، تؤلف معها كلا عفويا واحدا، سواء أكانت تحت سيطرة الانفعال أو بدونها. فكيف يتم سريان هذا النوع من التذكر ؟
إن الأم الثكلى ترى ملابس ابنها الفقيد فتسترجع ذكراه حتى ولم تشأ ذلك وبغير إرادة منها ؛ ذلك أن الملابس، لارتباطها بالابن، تظل منبه استدعاء لصورة الولد بصورة تلقائية عفوية، هذا الاسترجاع هو شبيه بتداعي الأفكا فالصور فيالنفس إذا اقترن بعضها ببعض، أو تجاورت في الزمان والمكان ، أو وجدت علاقة سببية بينها، أو تشابهت ، أو كانت متواترة على اللسان ، أو شديدة الوقع على النفس كحادث فريد على النفس تم استدعاؤها عفويا لأنها في الذاكرة ذات المدى القصير التي تستعمل المعلومات القريبة فتستدعی بسهولة. أما إذا لم تستعمل هذه المعلومة مادة طويلة وأريد استرجاعها، فإن الذاكرة تقوم بالبحث عنها في المخزن ذي المدى الطويل، ويتطلب ذلك جهدا أكبر، أي يتطلب تدخل الإرادة والجهد بصورة أجلي من جمهور الاتا۔ عام السابقة.
إن الذاكرة إذن ثلاثة أنواع أساسية وهي : الحسية، والعقلية، والانفعالية ؛ بالرغم من أنه ليس بينها مماثلة، لأن لكل من هذه الأنواع صفات خاصة تختلف من نوع إلى آخر، ولكنها في حقيقتها الجوهرية واحدة، لأن الأحوال الذاكرة صورة واحدة تجمع بينها وتحيط بها، كما يحيط نور الشمس بالرسوم أو بالأشياء، وينبغي للنظرة التي تريد الإحاطة بحقيقة الذاكرة أن تجعل تعليلها متعلقا بجميع أنواعها التي ذكرناها، وكل إهمال لتأثير هذه الأنواع جميعا في تحصيل المعرفة والتكيف والتوازن النفسي لا ينسجم وحقيقتها تلك . 
NomE-mailMessage