JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
Startseite

مراحل تطور علم النفس


مقدمة :


إن من غير الممكن معرفة جوهر الظاهرة من غير تتبع مراحل تطورها ، والوقوف على كمية ونوعية الصلات التي تربطها بغيرها من الظواهر القريبة منها والبعيدة عنها ، والوصول أخيرا ، إلى القانون الذي ينظم حركتها. وهذا ينطبق على الظواهر الطبيعية ، مثلما ينطبق على الظواهر الاجتماعية والإنسائية. ومن خلال هذا الفهم يكون التشديد علي أهمية دراسة تاريخ علم النفس، فعندما يتم تناول مراحل تطور هذا العلم و ابراز سمات كل مرحلة منها ، وربط هذه السمات بعضها ببعض من جهة ، وربطها بالشروط الثقافية لنشأنها وتبلورها من جهة ثانية ، يصبح واقع هذا العلم وأهميته وأتجاهه من الأمور الواضحة إلى حدّ يمكن الدارس من معرفة ما لهذا العلم وما عليه ، والتنبؤ بما يمكن وما ينبغي أن يكون حاله في المستقبل.

علم النفس في الفلسفة القديمة 

لقد نشا علم النفس كما سوف نرى في مخابر الطب وعلوم الطبيعة والفيزيولوجيا واعتمد في تطوره على الفسفة والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع والمنطق واستخدم المعادلات والقوانين الرياضية ، إلا أن الفضل يرجع في نشأة علم النفس بصورته القديمة إلى الفلسفة التي كانت تسمي  أم العلوم ، وكانت تضم الكثير من العلوم الإنسانية ومن بينها علم النفس فعلم النفس نشأ في رحم الفلسفة و ولد منها ولذا نجد أن أول من  أرخى لعلم النفس هم الفلاسفة وخاصة الفلاسفة اليونانيون في عصور ما قبل الميلاد. إن طهور علم النفس كعلم قائم بذاته وانفصاله عن الفلسفة والعلوم الأخرى ما هر إلا محصلة  لنشاط الفكرى الذي بدأه الفلاسفة اليونانيون ، وقبلهم الفلاسفة المصريون والبابليون والهنود والصينيون القدما ء وطوره الفلاسفة العرب والمسلمون ومن ثم فلاسفة أوربة في عصور نهضتها، وسنتناول فيما يلي أهم التصورات والأراء السيكولوجية عند  اليونانيين والعرب والمسلمين والأوربيين، والحديث عن علم النفس بدءا من الفلسفة اليونانية لا يعني مطلقا أن الفلسفات التي سبقتها لم تعن بهذا العلم  الهام بل إنها حملت الكثير من الآراء والملاحظات التي عکست اهتمام .أصحابها بطبيعة الإنسان ونشاطه النفسي ، على الرغم. من الطابع الميتافيزيائي لها، وتقد أثرت هذه الفلسفات على التطور الذي عرفه الفكر  الفلسفي في بلاد اليونان. ويشير مؤرخو الفلسفة مثلا ، إلي بصمات الفلسفة المصرية الواضحة على تعاليم الفلاسفة اليونانيين ، وخاصة تاليس الذي يعتبر مؤسس الفسفة القديمة. حيث ينسب إلي 

  •  تاليس ( 649 - 547 ق.م)

 الحكمة المشهورة اعرف، نفسك التي أصبحت المبدأ الرئيسي الذي اعتمد عليه سقراط في تعاليمه. وتقدم مدلولات هذه الحكمة الدليل الواضح على محاولة حكماء تلك الحقبة فهم السلوك الإنساني ومكانة الإنسان في هذا الكون. ذلك لأن وجود الإنسان وأصله ومآله كانت إحدى المشكلات التي حاول تاليس البحث فيها ومعالجتها ، فقد رأى أن الإنسان كائن يتألف من عنصرين رئيسيين متناقضين الجسد أو البدن من جهة ، والنفس أو الروح من جهة ثانية ثم جاء الفيلسوف


  •   سقراط ( 470 - 399 ق.م)

 سقراط ( 470 - 399 ق.م) ليطور نظرة تاليس إلى الإنسان معلنا أن الجوهر الأول له هو النفس العاقة أو الروح ، وهو جزء من العقل الكلي أو الروح الإلهية. أما البدن فيتألف من عناصر العالم

المحسوس : الماء والتراب والنار والهواء. وبما أن النفس الإنسانية في جزء من الروح الإلهية الني تسيطر على الظواهر والحوادث والأشياء الكونية ، فإن بإمكان الإنسان السيطرة على بدنه والتحكم برغباته وشهواته. وعلي هذا ، من خلال هذا التصور تشارك فيما هو الهي وهنا يبرز مغزى الشعار الذي رفعه سقراط اعرف نفسك بنفسك . فمعرفة الإنسان لذاته توقف في رأي سقراط على الارتداد أو الرجوع إلى النفس وتأملها والوقوف على ما هو مشترك بينها وبين الروح الإلهية أي بين الإنسان وبين الله وانطلاقا من طبيعة كل من الجوهرين النفس والبدن يعتقد سقراط أن للنفس القدرة على البقاء بذاتها والخلود بعد مفارقتها الجسد ما دامت تستمد حركتها من ذاتها أي من الروح الإلهية. وهي على العكس من الجسد الذي، يفنى لأنه يستمد حركته من الخارج وتأثر أفلاطون   بأستاذه إلى حد كبير. 

  • أفلاطون ( 427 - 337 ق.م)


وهذا ما  يظهر بجلاء عبر نظرته إلى طبيعة الروح والجسد ومصير كل منهما والبرهنة على خلود الروح النسبة له تكون عن طريق المعرفة ذاتها ؛ إذ من غير الممكن في رأيه تقديم تفسير صحيح وكامل ل لمعرفة من غير آن تتأمل الروح المثل الني تنتمي إليها فيل أن تحل في البدن وهنا يطرح أفلاطون نظريته في المعرفة.
 فالمعرفة الحقه تتم في اعتقتد أفلاطون - عن طريق عملية التذكر التي يقوم بها الإنسان أثناء نشاطه الحياتي لما كانت النفس قد تمثله قبل هبوطها إلى الأرض. فما ينتاب الإنسان من مشاعر وأحاسيس خلال مراحل حياته. وما يدركه من حوادث وأشياء و علاقات على هذه الأرض ، ما هو إلا الانطباعات والصور التي حملتها الروح معها من عالم المثل. ويجد أفلاطون أن النشاط النفسي الدائم هو دليل خلود الروح. 
فالروح لا تعرف السكون ، ولا تكف عن الحركة لأنها تستمد هذه الحركة من ذاتها. وهي فوق ذلك منزهة عن الموت باعتبارها مبدأ كل حركة. ولما كان هذا شأنها فهي تشبه المثل المطلقة الخالدة ، خلافا للجسد الذي ينتمي إلى العالم المحسوس ويتركب من العناصر الفانية. وعلى هذا فالإنسان - كما يراه أفلاطون - نفس و بدن. ويعتبر الارتباط بينهما ضربا من تلاقي الأضداد واجتماعها. فالبدن يحول دون المعرفة الحقيقية لما يثيره من فوضى وتشويش في العمليات المعرفية. أما النفس فهي عقل خالص يتأمل جوهر الأشياء ويدرك ماهيتها. ولكنها تتعرض للعديد من المصاعب والضلالات حين يجرها البدن نحو الأشياء المحسوسة وتلبية الرغبات والشهوات الجسدية (الكهف الأفلاطوني). وبما أن النفس كانت تعيش في عالم القيم السامية والمثل الرفيعة ، ثم هبطت إلى عالم الغناء والتفسخ والفساد عقابا لها، فإنها تتميز بعد اتحادها بالجسد عن النفس في ذاتها، أي قبل اتحادها به، إذ تتحول عندئذ إلى جسدية على نحو ما. وتبعا لنسبة هذا التحول تتحدد قدرتها على معرفة الحقيقة وتجاوز الرغبات والشهوات واللذات الجسدية. ولهذا قام أفلاطون ب تقسيم النفس إلى ثلاثة أقسام:

1-الحكمة : ومركزها الرأس. وهي أعلى أقسام النفس مرتبة وأرقاها منزلة.

2- الشهوة : ومركزها البطن. وهي أدنى مراتب النفس وأحطها.

3-الشجاعة : ومركزها القلب. وهي تشغل الموقع الوسط بين الحكمة والشهوة.


ويرى أفلاطون أن هذه الأقسام توجد عند الناس بأشكال متباينة ودرجات متفاوتة. فقد تتغلب الحكمة على الشجاعة والشهوة عند البعض، في حين تسود الشهوة على الحكمة والشجاعة عند البعض الآخر، أو الشجاعة على الحكمة والشهوة عند الفئة الثالثة. ويربط أفلاطون بين هذه الأقسام والانتماء الاجتماعي والطبقي للناس. فيجد أن المجتمع يتألف من ثلاث طبقات تضم أولاها الحكام والفلاسفة الذين تسيطر الحكمة على أفعالهم وسلوكياتهم. وينتمي إلى الثانية منها العبيد والحرفيون وعامة الناس.

ويتسم هؤلاء بغلبة الشهوة على القسمين الآخرين. أما الطبقة الثالثة فتشمل القادة العسكريين والجند والمقاتلين. ويطغى جانب الشجاعة لديهم على سواه. وهنا يتجلى الموقف الطبقي لأفلاطون وانحيازه إلى الطبقة الأرستقراطية الحاكمة باعتبارها الطبقة المختارة التي أعطيت من النفس أرقي أجزائها وأسمى جوانبها ، ووهبت أفضل القدرات العقلية لتتمكن - حسب زعمه- من تدبير أمور البلاد وتنظيم شؤون المجتمع. أما العبيد والحرفيون والعامة من الناس والفلاحون فقد خلقوا للعمل من أجل الطبقة الحاكمة والجيش وسخروا من أجل خدمتهم.
 إن موقف أفلاطون الطبقي ينعكس في آرائه التربوية. فقد اقترح إقامة بيوت عامة تتولى رعاية الأطفال منذ ولادتهم وحتى السابعة من العمر ويشرف على تسييرها أناس مدربون ومختصون ومن ثم يجب أن يلتحق هؤلاء الأطفال بالمدرسة ليتلقوا فيها 
مختلف أنواع المعرفة ويظل حالهم هكذا حتى يبلغوا العشرين من العمر فمن يظهر منهم ميلا نحو الحكمة ينبغي على الدولة تشجيعه وتوفير الشروط اللازمة لتلقي العلوم من أجل أن يصبح قادرا على الإسهام في تسيير شوون الدولة بعد الثلاثين من العمر، بينما يتوجب على من تبقى من الشباب بعد العشرين أن يلتحق بالجيش. وعندما يتحدث أفلاطون عن تربية الأطفال ورعايتهم واعدادهم فإنه لا يعني سوى أبناء الطبقة الغنية في المجتمع.

أما أبناء العبيد والسود الأعظم من الشعب فلم يكونوا موضوع اهتمامه وحديثه عن للتربية والتعليم.


  •  أرسطو (384- 322 ق.م ) 


 بعد ذلك حاول أرسطو تذليل الثنائية التي قال بها سابقوه. ولعل المعطيات المتقدمة نسبية في مجال الطب وعلم الأحياء يوم ذاك من ناحية وملاحظاته العلمية التي قام بها أثناء مرافقته للقائد اليوناني الإسكندر المقدوني في حملاته العسكرية من ناحية ثانية مكنته من إدراك الكثير من الظواهر الطبيعية والحيوية والإنسانية، والانطلاق من الأسس العلمية في وصفها وتفسيرها. ويعتبر كتابه (في النفس) دليلا على أن علم النفس قد صار حتى ذلك الحين ميدانا متميزا إلى حد لا بأس به من ميادين المعرفة. لقد وجد المعلم الأول أرسطو أن ثمة علاقة بين الصفات والخصائص التي تتمتع بها النباتات والحيوانات من جهة والشروط الطبيعية المحيطة بها من جهة ثانية. فهناك تباين بين الكائنات الحية التي تعيش في الجبال ونظيراتها التي تعيش في السهول وبين هذه وتلك ومثيلاتها التي تعيش في الصحارى او في المناطق الساحلية.
 وانطلاقا من هذه النظرة المورفولوجية حدد أرسطو موقفه من النفس ، وطرح موضوعة اتحاد البدن والروح ، وعدم إمكانية الفصل بينهما إلا عن طريق التجريد. ورأى أن من غير الممكن تقسيم النفس أو الروح إلى أجزاء كما فعل أفلاطون. ولكنه وجدها تتخذ أشكالا متعددة ، وتتجسد في مستويات وقدرات متباينة كالقدرة على التغذية والقدرة على الحس ، والقدرة - على الحركة ، والقدرة على الفهم. وإن هذه القدرات مجتمعة هي في اعتقاده - خاصية الإنسان وحده دون سائر الكائنات الحية الأخرى. 

والقدرات الثلاث الأولى خاصية الحيوان. بينما لا يتمتع النبات إلا بالقدرة على التغذية فقط. وعلى هذا الأساس الارتقائي أكد أرسطو أن الإنسان هو النفس والجسد في وحدتهما. بيد أنه يعود في فصل لاحق من كتابه المذكور ليفرق بين النفس في ذاتها كعقل خالص ، والنفس كعرض تتمتع بثلاث قوى : الحس المشترك والذاكرة والتخيل. ولما كان العقل في رأيه - جوهرة لا تتناوله الحركة ولا يعرف التغير ولا التبدل فإنه ليس عرضة للفناء. وإن كان فناؤه أو فساده بعد أن ينتابه الضعف والوهن في المراحل المتقدمة من عمر الإنسان فلا يعني ذلك أن النفس قد أصيبت بأمر ما، وإنما يعني أن الفرد الذي تقيم فيه النفس هو الذي أصيب. أما القوى الثلاث (الحس المشترك والذاكرة والتخيل) فترجع من حيث الطبيعة والنشأة إلى الإنسان الذي يحمل العقل في شيء. ويذهب أرسطو إلى أن وظيفة تمكين الإنسان من التفاعل مع محيطه عن طريق ما تزوده به من معارف حسية حول أشياء هذا المحيط ومظاهره. إن الفصل بين العقل والوظائف النفسية الأخرى على نحو ما فعل أرسطو ما هو في نهاية التحليل سوى فصل ما هو خالد عما هو فان. وهذا أمر يعيده و إلى موقع معلمه الذي ألح على ضرورة التفريق بين النفس والجسد وأكد على خلود الأول وفناء الثاني. لم تكن الثنائية فكرة مشتركة لدى الفلاسفة اليونانيين.

فقد عرف الفكر اليوناني مجموعة من الفلاسفة الذين عارضوا سقراط وأفلاطون وأرسطو فيما يتعلق بمسألة النفس والجسد وجوهر العلاقة بينهما .

علم النفس في ظل الحضارة العربية - الإسلامية


وفي ظل الحضارة العربية - الإسلامية لمعت أسماء كثيرة من المفكرين والعلماء في دنيا المعرفة وكان لأصحابها فضل كبير في حفظ التراث الفكري الإنساني وترجمته ورفده بالعديد من المعطيات الجديدة الأصلية ، مما اعتبره المؤرخون مقدمة أساسية من مقدمات النهضة الأوربية. ومن بين هؤلاء المفكرين والعلماء نذكر على وجه الخصوص الكندي والفارابي وابن سينا وابن الهيثم وابن خلدون وابن رشد وابن طفيل. 
لقد حظيت مسألة النفس بقسط وافر من اهتمام الكندي وأفرد لها عددا من مؤلفاته الكثيرة.

  • الكندي (801-866 ق.م)

 ويرى الكندي أن النفس متباينة ومختلفة عن الجسد ومنفردة عنه بنية ووظيفة ومألا فهي جزء من الجوهر الإلهي الروحاني تسكن البدن بعد الولادة لتقف على ما يقوم به وتقوم زلات الإنسان وأخطاءه التي تدفعه إلى الوقوع فيها قوة الشهوة أو قوة الغضب. ويقول الكندي في هذا الصدد : "وذلك أن القوة الغضبية قد تتحرك على الإنسان في بعض الأوقات فتحمله على ارتكاب الأمر العظيم فتضادها هذه النفس وتمنع الغضب من أن يفعل فعله أو أن يرتكب الغيظ وتوتره ، وتضبطه كمل يضبط الفارس الفرس، إذا هم أن يجمح به أو يمده . ويقول في هذا السياق: "فأما القوة الشهوانية فقد تتوق في بعض الأوقات إلى بعض الشهوات فتفكر النفس العقلية في أنه خطأ... فتمنعها عن ذلك وتضادها والتفاعل بين الإنسان ومحيطه يتم -حسب ما يرى الكندي - على ثلاثة :
مستويات: 1- الإدراك الحسي وتتولى القيام به الحواس الخمس. 2- والمصورة أو المتوهمة التي تقوم بوظيفة التصور أي الاحتفاظ بصور الأشياء والموضوعات بعد إدراكها وأثناء غيابها من جهة ، 3- ووظيفة تخيل هذه الصور وتركيبها من جهة ثانية. وأخيرا العقل الذي يتولى معرفة الظواهر والحوادث وجواهرها على نحو أعمق وأشمل مما تقوم به النفس في المستويين السابقين. ويلاحظ مدى تأثر الكندي بآراء الفلاسفة اليونانيين القدماء ومنهم أفلاطون وأرسطو بشكل خاص. وهذا ما نلمسه أيضا لدى الإطلاع على موقفه من النفس ومصيرها. فالكندي يجد أن الموت يلحق بالبدن وحده دون النفس ذلك لأن النفس -عنده - جوهر شبيه بجوهر الباري عز وجل. فهي تتحول حالما تفارق البدن إلى "... عالم العقل فوق الفلك..." لتصير عالمة بكل شيء وتصير الأشياء كلها بارزة لها كمثل ما هي بارزة للباري عز وجل. ولعلنا نجد موقفا شبيها بموقف الكندي ونظريته في الإنسان والمعرفة عند الفارابي 

  • الفارابي (870 - 950 ق.م)

 فقد ذهب هذا  الفيلسوف إلى القول بأن النفس الإنسانية وجدت بطريقة الفيض. وهي تسكن البدن بعد ولادة الإنسان. ولا تفنى أو تموت بعد موته ، وإنما ترجع إلى الله ليثيبها على ما قدمت ويعاقبها على ما أخرت. وتشمل النفس عند الفارابي خمس قوى متعاقبة من حيث وجودها الزماني وأهميتها وهي :
 القوة الغازية ، والقوة الحاسة ، والقوة النزوعية والقوة المتخلية والقوة الناطقة. وتتركب  كل واحدة من هذه القوى من قوة رئيسية واحدة وقوى أخرى ثانوية تعمل المصلحتها باستثناء القوة الناطقة التي لا تتفرع عنها أية قوة لأنها قوة  رئيسية بين سائر قوى النفس. فالقلب يقوم بوظيفة التغذية الرئيسية بينما  تناط بأعضاء الجسد الأخرى كالمعدة والكبد والطحال وسواها الوظائف الثانوية في التغذية. وهي إذ تقوم بهذه الوظائف ، إنما ترفد بذلك القوة الغازية  الرئيسية. وتتولى الحواس الخمس المعروفة إدراك العالم الخارجي وامداد القوة الرئيسية (الحس المشترك) بالأخبار والمعلومات عن العالم الخارجي.

فكل عضو من أعضاء الحس الخمسة يقوم بدور ثانوي أو بوظيفة فرعية تخدم الوظيفة الرئيسية التي يتولى القلب أداءها. وهكذا بالنسبة للقوة المتخيلة. وما ينبغي ملاحظته في تقسيم الفارابي لقوى النفس هو اهتمامه بالجانب الانفعالي والإرادي وعلاقته بالجانب المعرفي في السلوك الإنساني.

ومع أن الفلاسفة الذين سبقوا الفارابي قد تعرضوا إلى موضوع الانفعال إلا أنهم لم يتبينوا علاقته بالعمليات المعرفية وتأثيره عليها وتأثره بها. لقد نظر الفارابي إلى الإرادة بوصفها المحرك الذي يدفع الإنسان إلى المعرفة على اختلاف درجاتها. كتب في مدينته الفاضلة يقول: " والقوى النزوعية وهي التي تشتاق إلى الشيء وتكرهه... وهذه القوى هي التي بها تكون الإرادة.

فإن الإرادة هي نزوع إلى ما أدرك، وعن ما أدرك ، إما بالحس واما بالتخيل واما بالقوة الناطقة وحكم فيه أنه ينبغي أن يؤخذ أو يترك. والنزوع قد يكون إلى علم شيء ما ، وقد يكون إلى عمل شيء ما، وعلم الشيء قد يكون بالقوة الناطقة وقد يكون بالإحساس. وتبرز مقارنة رأي الفارابي بآراء سابقيه من الفلاسفة في النفس الأثر الكبير الذي تركه كل من أرسطو وأفلاطون بصورة خاصة على موقفه ونظرته. ولكن ذلك يجب أن لا يدفع الباحث إلى إنكار الجهد الذي بذله الفارابي في نقل تعاليم هذين الفيلسوفين وترجمتها إلى اللغة العربية من ناحية ، وتطويرها في اتجاهات شتى بالقدر الذي كانت تسمح به وسائل البحث وأدواته في ذلك العصر من ناحية ثانية. لقد مهد نشاط الفارابي الفكري السبيل أمام ظهور أفكار عظيمة أكثر نضجا في ميدان علم النفس ووفرت أعماله كثيرا من الوقت والجهد على من جاء بعده مما يمكن اعتباره بحق شرطا من شروط نشوء علم النفس السينوي. هذا ما يعترف به ابن سينا ذاته عبر الحديث عن الصعوبات التي لاقاها . في فهم كتاب "ما بعد الطبيعة " لأرسطو. وحسب روايته فقد قرأ هذا المؤلف أربعين مرة ، دون أن يتمكن من الوقوف على أغراضه، وأنه عثر بعد ذلك

وبالصدفة على كتاب الفارابي "أغراض ما بعد الطبيعة " فاطلع عليه واستوعب مضمونه وأدرك غاياته. 

  • ابن سينا ( 980-1037ق.م)


انطلق ابن سينا  من نظرته الثنائية إلى الإنسان حيث وجد أن النفس تختلف جوهريا عن الجسد. ولما كانت -حسب رأيه- جزء من العالم العلوي ، على العكس من الجسد الذي يتكون من العناصر الأربعة (التراب والماء والنار والهواء)، فإنها تتحد به عقب الولادة ، وتفارقه بعد الموت لتعود إلى الباري عز وجل فتحاسب على ما فعلت أثناء وجودها على الأرض. فهي، من هذا المنظور ، صورة الجسد، وذات آلة به، ولكنها لا تفسد بفساده ، ولا يغير موته جوهرها، وانما تبقى كسائر الجواهر الخالدة.  
على أن هذا الجانب الميتافيزيائي لا يمثل إلا جزءا من علم النفس السينوي. فالإحاطة بتعاليم ابن سينا السيكولوجية تقتضي الرجوع إلى جميع أعماله والإطلاع على ما تتضمنه فصولها من آراء في وظائف النفس ونشاطها.

وأول ما تجدر الإشارة إليه هو أن الإنسان كان بالنسبة لابن سينا موضوعا رئيسيا أولى معرفة أبعاده جل اهتمامه وأنفق في سبيله وقتا طويلا وجهدا عظيمة وخصص له عددا من مؤلفاته. وإن قراءة متأنية لما وصل إلينا من هذه المؤلفات تعرف الباحث على مراحل تطور فكر ابن سينا عامة وما يميز نظريته في النفس من ترابط في المفاهيم والأفكار ودقة في البسط .
 والتفسير والتعليل مما يعكس سعة إطلاع هذا المفكر الكبير وحدة ذهنه وقوة إرادته. 
واعتمد ابن سينا على التراث الفلسفي اليوناني والهندي والفارسي والعربي والإسلامي اعتماده على معطيات الطب والتشريح. وقد ساعده توظيف هذه المعطيات وذاك التراث توظيفة مبدعة إلى جانب خبرته وتجاربه وملاحظته العلمية الدقيقة ، في صياغة نظريته السيكولوجية على نحو متناسق ومنتظم جعلها تفوق جميع ما سبقها من نظريات دقة وشمولية.
وينظر ابن سينا إلى النفس من خلال مستويات ثلاثة : المستوى النباتي والمستوى الحيواني والمستوى الإنساني. وكل مستوى من هذه المستويات يتولى القيام بوظائف معينة. فالمستوى النباتي من النفس يقوم بوظائف التغذية والنمو والتكاثر وهو ما نجده عند النبات والحيوان والإنسان. وتقوم النفس الحيوانية بوظائف الإحساس والتخيل والحركة التي نجدها عند الإنسان والحيوان. أما المستوى الإنساني ووظيفته العقل ، فهو يخص الإنسان وحده. ويشبه هذا التصنيف التصنيف الذي قدمه أرسطو. وهذا ما يحمل على الاعتقاد بأن ابن سينا تأثر بأرسطو في وضع هذه الحدود العريضة للنفس. غير أن الدخول في تفصيلاتها الدقيقة يضعنا أمام تباين وجهتي نظرهما. صحيح أن كلا منهما تحدث عن وجود إدراك ظاهري تقوم به الحواس الخمس الخارجية وادراك باطني تقوم به حواس داخلية ، وأن أرسطو تحدث عن ثلاث من هذه الحواس (الحس المشترك والذاكرة والتخيل)، ولكن ابن سينا يضيف إليها حاستين أخريين. وهما : المصورة والوهم. 
وزيادة على ذلك فإن ابن سينا قدم وصفا متقدما لآليات الإحساس الظاهري وشروطه الداخلية العصبية والخارجية (الصفات الفيزيائية والكيميائية للأشياء) متجاوزة تعاليم المفكرين القدماء الذين درسوا الوظائف النفسية دون أن يربطوها بالعمليات العصبية التي تتم أثناء تفاعل الإنسان أو الحيوان مع الوسط الخارجي لاعتقادهم باستقلالية كل من المجالين : النفسي والفيزيولوجي وعدم وجود علاقة تربط أحدهما بالأخر. كتب ابن سينا في هذا الشأن يقول: "... قال قوم من الأوائل إن المحسوسات قد يجوز أن تحس بها النفس بلا واسطة آلية ولا الات. أما الوسائط فمثل الهواء للإبصار. وأما الآلات فمثل العين للإبصار. وقد بعدوا عن الحق. فإنه لو كان الإحساس يقع للنفس بذاتها من غير هذه الألات لكانت هذه الآلات معطلة في الخلقة لا ينتفع بها. 
وأيضا فإن النفس إذا كانت غير جسم عندهم ولا ذات وضع، فيستحيل أن يكون بعض الأجسام قريبا منها ومتجهة إليها فيحس ، وبعضها بعيدا عنها محتجبا منها فلا يحس. وتتجسد نظرة ابن سينا المبدئية إلى العلاقة بين النفس والجسد بصورة واضحة عبر دراسته للجانب الوجداني من النفس البشرية. فقد حاول التعرف على السبب النفسي للضعف العضوي الذي كان يعاني منه أحد الفتيان من خلال إسماعه مجموعة من الكلمات وتحديد ما يثيره منها بالاعتماد على تغير نبضات القلب وتبدلها كرد فعل تقوم به العضوية على مثيرات العالم . وتعد هذه التجربة أول محاولة للتشخيص النفسي في تاريخ الفكر الإنساني، حيث سبق ابن سينا بها محاولات علماء النفس في العصر الحديث لوضع اختبارات تمكنهم من الكشف عن الجوانب الانفعالية والوجدانية لدى الإنسان ("كشاف الكذب" مثلا) بعدة قرون. ولعل من اليسير أن يقف المؤرخ الموضوعي للفكر السيكولوجي على عدد من الوقائع . الصريحة والأدلة الثابتة التي تجعله ينظر إلى ابن سينا باعتباره رائدا من رواد هذا الميدان المعرفي. فهناك تجربة أخرى أجراها ابن سينا لإبراز أثر الحالة النفسية (الانفعال) في حياة الحيوانات والإنسان. وتتلخص هذه التجربة في مقارنة الوضع النفسي لخروفين كان يقدم لهما نفس الغذاء من حيث الكمية والنوعية. ولكنه وضع أحدهما في شروط عادية أمنة بينما وضع الثاني قبالة ذئب. وبصرف النظر عن شروط التغذية المتشابهة فإن صحة الخروف الثاني كانت تتدهور بصورة ملحوظة حتى هلك. من هنا يتجلى اهتمام ابن سينا بالعلاقة بين مظاهر النفس وتجلياتها المختلفة من جهة، وبالبيئة من جهة ثانية. فدور التربية -عنده- لا يقتصر على النمو الجسمي عند الفرد فحسب وإنما يشمل الخصائص النفسية أيضا. ذلك لأن النفس تؤثر على البنية الثابتة للعضوية. فمواقف الإنسان ومشاعره نحو العالم الخارجي تغير مجرى العمليات الفيزيولوجية لديه. ووجودها لا يحدث بشكل عفوي أو تلقائي وإنما هو في نظر ابن سينا- نتيجة تأثير الأخرين عليه خلال مراحل حياته المتعاقبة. ولقد دفع مبدأ وحدة العمليات النفسية والعمليات الجسمية ابن سينا للبحث في مركبات الجهاز العصبي باعتباره مصدر الإحساس والإدراك عند الإنسان والحيوان. وقد مكنه ذلك من تطوير الأفكار المتعلقة بوظيفة الدماغ وعمل الأعصاب والتصورات التي كانت سائدة آنذاك حول النشاط الحسي وتصنيف الحواس حسب أهميتها وفائدتها في المعرفة الحسية على وجه الخصوص. 

واقترب بها في بعض المواضع من المعطيات العلمية الحديثة. فمتابعته لموضوع الحواس بدءا من مؤلفه المبحث عن القوى النفسانية" حتى كتابه " الشفاء" تعكس ، دون شك، دأب العالم واهتمامه بمادة بحثه وحرصه على الوصول إلى أحكام دقيقة بشأنها. مثلما هو دليل على إسهامه في تطوير هذا الباب من الفكر ودفعه إلى الأمام. ولم تقتصر إعادة نظر ابن سينا في رأيه بالجهاز العصبي على تفسير عمل الحواس الخمس فقط، وإنما شملت كذلك دراسته للوظائف الحسية الباطنية بصورة أكثر موضوعية. فقد ربط هذا الجانب من النفس الحيوانية (الحس المشترك والمصورة والذاكرة والوهم والمتخيلة) بمناطق محددة من الدماغ. وهكذا صار الحس المشترك يقع في أول التجويف المقدم من الدماغ والمصورة في آخر التجويف المقدم والمتخيلة في أول التجويف الأوسط والوهم في نهاية التجويف الأوسط والذاكرة في التجويف المؤخر.

وعلى الرغم من الأخطاء التي وقع فيها ابن سينا لدي تحديده الأجزاء البدن المسئولة عن الوظائف الحسية والحركية عند الكائن الحيواني، فإن عمله هذا يبقى محاولة جديرة بالاهتمام لمعرفة أثارها على المفكرين الأوربيين في القرون الوسطي ومطالع عصر النهضة. والشيء ذاته يمكن أن يقال عن نظرية ابن سينا في المعرفة ، فمع أنه اعتبر التصور والتخيل والتذكر من بين وظائف الإدراك الحسي فإن ذلك لم يحل بينه وبين تبيان مهمة كل واحدة من العمليات النفسية بدءا من الإحساس وانتهاء بالتفكير أو ، كما يسميه هو العقل. إذ وجد أن الحواس تقدم المادة الأولية والتصور يرتبها، ثم يأتي الخيال والوهم لينقيانها من الشوائب (اللواحق المادية) ويقدمانها للعقل الذي يقوم بتجريدها عن كل ما له صلة بالمادة". وعند الحديث عن العقل يجد ابن سينا أن هناك عقلا هيولانية وعقلا بالملكة وعقلا مستفادة وعقلا بالفعل. ولكل عقل في رأيه- طبيعته المتميزة ودوره في المعرفة واكتساب العلوم. وتكون نسبة وجود هذه العقول متفاوتة عند الناس بل وقد يكون بعضها مما لا يشتركون فيه جميعا. لقد لاقت تعاليم ابن سينا في النفس ونظريته في المعرفة أصداء واسعة وعميقة في أعمال الفلاسفة العرب والمسلمين ومن بعدهم (وغالبأ عن طريقهم) الفلاسفة اللاتينيين من توما الإكويني إلى رينيه ديكارت. 

وليس بعيدا عن ابن سينا نحا أحد معاصريه ، وهو الفيزيائي والرياضي العربي , 

  •  ابن الهيثم (960-1039) 
  • منحى آخر في نشاطه العلمي واقترح أفكار جديدة في علم النفس الفيزيولوجي. فقد درس الإدراك البصري وانطلق في تفسيره لهذه الظاهرة من قوانين البصريات. وقادته ملاحظته الدقيقة إلى القول بأنها تتم نتيجة انعكاس الموضوع الخارجي وتكون شكله على شبكية العين بوصفها جهازا بصرية.

    وفي المغرب العربي كان الإنسان والمجتمع محور نشاط الفلاسفة والمفكرين في تلك الفترة من الزمن ويعد , 

  •  ابن خلدون ( 1322-1306 م)
  •  واحدا من أبرزهم. ويحتل الإنسان -- في نظر ابن خلدون - مكانة رفيعة لما يتمتع به من قدرات فكرية تجعله كائنا متميزا عن سواه باعتباره الحلقة الأخيرة في سلسلة التكوين والنشوء التي عرفها الكون والتي تعتبر كل حلقة فيها نتيجة لسابقتها ومقدمة للخلقة التي تليها. وتتمثل الحلقة الأولى عنده في ظهور العناصر المادية بدءا من التراب وانتهاء بالنار مرورا بالماء ثم الهواء. وبفعل تحولات هذه العناصر وتفاعلها بعضها مع بعض تتكون المعادن فالنباتات فالحيوانات وأخيرة الإنسان بصورة تدريجية ومحكمة ويستمد الكائن الأعلى وجوده من الأدني. وفي هذا يقول ابن خلدون في مقدمته: ثم انظر إلى عالم التكوين كيف ابتدأ من المعادن ثم النبات ثم الحيوان على هيئة بديعة من التدريج. أخر أفق المعادن متصل بأول أفق النبات ، مثل الحشائش وما لا(بذرة) له. وأخر أفق النبات مثل النخل والكرم متصل بأول أفق الحيوان (كالحلزوني) والصيف لم يوجد لهما إلا قوة اللمس فقط... واتسع عالم الحيوان وتعددت أنواعه ، وانتهى في تدريج التكوين إلى الإنسان صاحب الفكر والروية ترتفع إليه من عالم القردة الذي اجتمع فيه الحس والإدراك ولم ينته إلى الروية والفكر بالفعل وكان ذلك (في) أول أفق من الإنسان بعده. وهذا غاية شهودنا. وعلى أساس هذه النظرة التطورية يميز ابن خلدون مراتب عديدة للنفس الإنسانية يتحدد عبرها وبفضلها موضوع و النشاط البشري بل وموقع الإنسان في هذا الكون. فالنفس في المرتبة الأولى تكون مرتبطة ارتباطا كليا بالبدن. وتعتمد في تفاعلها مع العالم الخارجي على القوى الحسية والخيال والذاكرة والتفكير بالمحسوسات بينما تستطيع في المرتبة الثانية من الإفلات من عالم المحسوسات لتتجه نحو "عالم المشاهدات الباطنية " و "التعقل الروحاني . وما يميز المرتبة الثالثة من النفس البشرية هو ما فطرت عليه من قدرة التخلي عن كل ما هو محسوس بصورة كلية والتحول إلى عقل محض أو "ذات روحانية" إن المرتبة الأولى من النفس تسم أوجه النشاطات الحسية التي يقوم بها الناس عامة والعلماء منهم خاصة. بينما تتبدى المرتبة الثانية في الرؤى ونشاطات الكهان والعرافين أما المرتبة الثالثة فهي خاصية الأنبياء وحدهم وتتجسد في ظاهرة الوحي. ولعله من الواضح أن ابن خلدون في حديثه عن أصناف النفوس البشرية ومراتبها شأنه شأن العديد من المفكرين الذين سبقوه پركز على ساحة واحدة من ساحات النفس التي كشف عنها علم النفس وهي الساحة المعرفية التي تشتمل على الإحساس والإدراك والانتباه والتصور والكلام والتخيل والتذكر والتفكير. وبقيت الحالات النفسية (الانفعالات والعواطف والإرادة) وخصائص الشخصية كالطبع والمزاج وسواهما خارج مجال مشاغله واهتمامه وكأنها ظواهر ذات طبيعة خاصة وأصون متميزة.
    ولقد شدد ابن خلدون على أثر العوامل المحيطة كالمناخ والظروف المعيشية للإنسان في صفاته الجسمية والنفسية وعلاقاته بالآخرين. كما أشار إلى الترتيب والأحكام اللذين تتصف بهما المخلوقات والعلاقة السببية القائمة بينها. ولكنه لم يعمم هذا الأثر على الصعيد المعرفي الأمر الذي لم يمكنه من تقديم صورة كاملة ومتكاملة للنفس الإنسانية وأضفى على نظريته طابع ميتافيزيائية وصوفية. إننا ونحن نعرض لأهم أراء بعض المفكرين العرب المسلمين، علينا أن لا ننسى

    •  ابن طفيل وابن رشد.

     فقد كرس الأول قصة "حي بن يقظان" ليبين دور البيئة في تكوين الإنسان على الصعيد الأخلاقي والاجتماعي والعقلي. وأخضع الثاني السلوك الإنساني العادي والشاذ إلى الملاحظة العلمية ، مما يسر له التعرف على الكثير من العلل التي تؤدي إلى نشوء أنماط مختلفة من السلوك. كما وجه ابن رشد نقدأ عنيفة إلى نظرة أهل عصره إلى الأمراض النفسية. فقد وجد أنها تعتمد في أساسها على معتقدات باطلة وتقوم على السحر والخرافة. ولذا تراه يلح على ضرورة التخلي عن الأساليب والطرائق المستخدمة في معالجة هذه الأمراض وينصح بإقامة مراكز خاصة تعنى بالمرضى النفسيين ومعالجتهم عن طريق العقاقير الطبية والراحة والاستجمام والتدريبات الخاصة. ومن ناحية أخرى أخضع ابن رشد منجزات علم النفس الفيزيولوجي إلى التحليل العلمي، وقاده

    ذلك إلى القول بأن الشبكية هي الجزء المسؤول عن الإحساس البصري وليست عدسة العين - كما كان شائعة أنئذ. وفي ضوء ذلك يمكن اعتبار ابن رشد واحدا من العلماء العرب المسلمين الذين جعلت أعمالهم (وعلي امتداد عدد من الأجيال من الانطلاقة الرائعة للفكر العلمي في القرون اللاحقة أمرا ممكنا انتقال المعارف والعلوم إلى أوربة وبزوغ فجر النهضة في البلدان الأوربية ظهرت أفكار أكثر تحديدا وتركيزا فيما يتعلق بقضايا الطبيعة والمجتمع عامة وبموضوع النفس خاصة. 

    علم النفس في الفلسفة الأوروبية 


     ويجمع المؤرخون على أن أول من أعط موضوع النفس اهتماما خاصا هو الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت . 

    • رينيه ديكارت (1596-1650ق.م)
    لقد اعتقد ديكارت أن سلوك الحيوانات والإنسان أشبه ما يكون بعمل الآلة. ولذا فهو ينطلق في تفسيره للسلوك من المبدأ الذي تفسر به الظواهر الفيزيائية وهو مبدأ الانعكاس Reflex. والانعكاس -عنده- هو الاستجابة اللاإرادية والآلية التي ترد بها العضوية على مثيرات العالم الخارجي بهدف التكيف معه. 
    إن  فهما كهذا يقود إلى الحكم بان تصورات ديكارت حول الآلية الفيزيولوجية للظاهرة النفسية لم تتجاوز تصورات ابن سينا قبل عدة قرون. فآلية الوظيفة النفسية (الحس مثلا) عند ديکارت تتمثل في أن "الأشياء الخارجية " عندما تؤثر على أعضاء الحس تحدث توترة في ما أسماه با " الخيوط العصبية " التي تتصل بالمخ عبر "أنابيب" عصبية ، الأمر الذي يؤدي إلى انفتاحصمامات تسمح بعبور تيار من الأجزاء الدقيقة "الأرواح الحيوانية" التي تستقر في تجاويف المخ إلى الأعصاب ومنها إلى العضلات فتنتفخ هذه الأخيرة وتحدث الاستجابة الحركية. لقد حاول ديكارت تطبيق مبدأ الانعكاس على جميع الوظائف النفسية، وتبين له فيما بعد عدم كفاية هذا المبدأ التفسير الظواهر النفسية المعقدة كالتذكر والتفكير والإرادة والعاطفة. وهذا ما قاده إلى القول بوجود "عقل عال" لدى الإنسان كمظهر من مظاهر نشاط الروح، متميز تماما عن البدن وما يصدر عنه من أفعال حسية وحركية.

    وهكذا وجد ديكارت في الثنائية مخرجا من المازق الذي أوصله إليه منهجه؛ فطرح موضوعة الروح مقابل الجسد، والعقل العالي نظير الظواهر النفسيةالانعكاسية. وكان على الثنائية التي طبعت تعاليم ديكارت أن تنتظر الفيلسوف الإنكليزي توماس هوبزلكي يحلها ويتجاوزها.
    • توماس هوبز (1577-1679)
    فقد وجد هذا الفيلسوف أن الظواهر الكونية، بما فيها مظاهر السلوك، تقوم أساسا على الحركة الآلية. فالموضوعات الخارجية تؤثر على أعضاء الحس فتنتقل منها إلى القلب والمخ بوساطة الأعصاب حيث تحتفظ بحركتها هناك على شكل مشاعر وصور وأفكار. وبذا يعد هوبز أول مفكر حذف مفهوم الروح واكتفى بدراسة دور الأفعال الآلية التي تصدر عن الجسم. وقد اعتبرت أراؤه حجر الزاوية في نشأة الارتباطية في القرن الثامن عشر ومن ثم تطورها عبر القرن التاسع عشر .


    ولعلنا نجد موقفا مماثلا عند باروخ سبينوزا . 

    • باروخ سبينوزا (1632- 1677 م)
    فالأفكار والأحاسيس والمشاعر تخضع في حركتها وديناميتها من وجهة نظر هذا الفيلسوف - إلى نفس النظام الذي تخضع له الأشياء والحوادث الطبيعية في تشكلها وتطورها. ويشير سبينوزا إلى أن الظواهر النفسية مثلها مثل الظواهر المادية تنشأ وتتطور بفعل جملة من الأسباب والعوامل الموضوعية.

    ويجمع مؤرخو علم النفس على أن نشأة هذا العلم وظهوره كعلم قائم بذاته يرجعان إلى بدايات النصف الثاني من القرن التاسع عشر. ويذهب العديد منهم إلى اعتبار عامي 1861 و 1879م تاريخ الاستقلال هذا العلم. وهم بهذا يشيرون إلى العالم الألماني فونت كمؤسس لعلم النفس 
    فمن المعروف أن فونت وضع في التاريخ الأول أي عام 1861م أول جهاز في خدمة البحث السيكولوجي التجريبي وبعد ثمانية عشر عاما أي في عام 1879 م أقام أول مختبر للدراسات السيكولوجية.

    • الخلاصة :

    مر علم النفس قبل انفصاله عن الفلسفة بتاريخ طويل من اهتمام الفلاسفة القدماء سواء اليونانيين أو المسلمين أو الأوروبيين، فبالرغم من أن إنشاء مخابر لدراسة الظواهر النفسية وتجهيزها بأدوات البحث الضرورية أمر ذو أهمية كبيرة على صعيد انفصال علم النفس عن الفلسفة والعلوم الأخرى. ولكن ذلك يجب أن لا ينسينا نشاطات أجيال من العلماء وفضلهم على هذا العلم وتأثيرهم على رواده الأولين. ولعل هذا ما يتجسد على نحو واضح لدى السؤال عن أسباب ولادة علم النفس في هذه السنوات بالذات. إن
    الإجابة على هذا السؤال - فيما لو أريد لها أن تكون مقنعة وكافية - ينبغي أن تراعي الظروف الموضوعية والذاتية ، العامة والخاصة لهذا الحدث الهام في تاريخ دراسة السلوك الإنساني والحيواني. وهذا يعني تجاوز تفسير البعض الذي يرى في توافر وسائل البحث (مخابر، أجهزة... الخ) وحده العامل الحاسم في استقلال علم النفس والمضي في البحث عن الأسباب التي دفعت العلماء وفي مقدمتهم فونت إلى اتخاذ مثل هذه التدابير. فما بذله فونت وغيره بالرغم من فوائده الجمة لمصلحة علم النفس في تلك الفترة لم يكن لولا التقدم العلمي والتقني الذي عرفته أوربا منذ نهايات القرن الثامن عشر بصورة خاصة.

    • المدرسة الترابطية Associationism 

    خلال الوقت الذي كان فيه ديكارت ينشر مذهبه ونظرياته ظهرت في انجلترا مدرسة تسمى المدرسة الترابطية أو المدرسة الإنجليزية لأن أغلب أتباعها من الإنجليز (مؤسسها Locke 1632 - 1873 و سبنسر 1820 - 1903 . وقد كان لهذه المدرسة أثر كبير في توجيه الدراسات النفسية حتى نهاية القرن الماضي . ومن المسلمات الأساسية لهذه

    المدرسة أن الإنسان يولد وعقله صفحة بيضاء تنقش عليها الخبرات الحسية ما تريد فليس قبل الخبرة في العقل شئ هذه الخبرة تأتي عن طريق الحواس : تأثر العين بالضوء ، والأذن بالصوت ، واليد باللمس .. فالإحساسات هي عناصر العقل وذراته ووحداته . وبعبارة أخرى لقد أنكرت هذه المدرسة وجود أفكار واستعدادات فطرية مورثة يولد الفرد مزودا بها . فكل معرفة أو قدرة مکسوبة لا موهوبة يحصلها الإنسان إبان حياته. غير أن الاحساسات تكون في أول الأمر غير مترابطة أو منظمة . فالعقل في أول أمره فوضى من عناصر لا ترابط بينها ، ثم تترابط هذه العناصر وتنتظم لما بينها من تشابه أو تضاد أو تجاور في الزمان أو المكان ، فتنشأ من هذا الترابط العمليات العقلية جميعا : الإدراك والتصور والتخيل والتفكير والابتكار .. أي أن الترابط هو الذي يحيل الفوضى إلى نظام ويجعل من العناصر والذرات وحدة وكلا . فالترابط هو المبدأ الأساسي الذي تفسر به العمليات العقلية على اختلاف نوعها ومستواها وهو عملية آلية ميكانيكية ، تشبه الجاذبية في العالم المادي أو تشبه التآلف بين الذرات بعضها وبعض وبين العناصر بعضها وبعض والذي تتكون منه المواد المركبة في عالم الكيمياء .

    ومن ثم كانت مهمة علم النفس في نظرها تحليل المركبات العقلية إلى عناصرها من احساسات وصور ذهنية ثم تفسير تجميعها وانتظامها في وحدات مركبة . ولقد كان لهذه المدرسة أثر كبير في علم النفس وفي نظريات الفلسفة والاجتماع والأخلاق والقانون والتربية في انجلترا وفي فرنسا على الأقل حتى نهاية القرن التاسع عشر إنها كانت تقوم على الاعتقاد بأن الأشكال المركبة الحياة النفسية يمكن أن تفسر تفسيرا كافيا بالاتحاد الآلي الميكانيكي لأشكال أبسط منها حتى إذا ما أشرف القرن الحالي ثار عليها علماء النفس بوجه خاص لأنها فشلت في تفسير الكثير مما تنطوي عليه الحياة النفسية 

    • أثر العلوم الطبيعية :


    ظل علم النفس فرعة من الفلسفة - الفلسفة العقلية - أكثر من مائتي عام بعد ديكارت . رغم أن موضوعه قد تحدد بعض الشئ . لكن طريقته في البحث لم تزل تعتمد إلى حد كبير على منهج الفلسفة في البحث أي على النظر والتأمل والبرهان الجدل في قضايا سيكولوجية خالصة كتحليل المركبات العقلية إلى عناصرها ، وكذلك في قضايا ذات طابع فلسفي ما تعد لاصقة بعلم النفس منذ القدم ، مثل : " ما الطبيعة القصوى للعقل ؟ " هل العالم الخارجي عالم واقعي أم من خلق الخيال ؟ " هل  للإنسان إرادة حرة ؟ " وقد أدت هذه الدراسات إلى ملاحظات وإضافات ثاقبة عن سلوك الإنسان وأحواله النفسية ، لكنها لم تؤد إلى نتائج ذات بال في

    فهم هذا السلوك وتفسيره . ولم تضف إلا القليل على ما كان معروفا عند افلاطون وأرسطو وديكارت . كما كان الخلاف كبيرا بين الباحثين في هذه القضايا ذلك أن النظر والتأمل دون سند من الطرق العملية للملاحظة والتجربة يؤدي حتما إلى الخلاف ومع مطلع القرن التاسع عشر كان علماء الفسيولوجيا يسيرون في بحوثهم على نمط آخر . إذا كانوا يوجهون إلى الطبيعة أسئلة خاصة ثم يجرون الملاحظات والتجارب للوصول إلى أجوبة على هذه الأسئلة . وقد أدى بهم هذا المنهج إلى الكشف عن كثير من الحقائق والمبادئ : كالكشف عن الدورة الدموية، وعن مناطق المخ التي تهيمن على الحركة عند الإنسان والحيوان ، وعن سرعة التيار العصبي وعن الأبنية الخاصة في العين والتي تمكن الإنسان من رؤية الألوان .. إلى غير تلك من الوقائع التي تهم من يريد أن يعرف كيف يستجيب الإنسان للمنبهات التي تؤثر فيه . وقد كان لهذا المنهج الذي يرتكز على الملاحظة والتجربة فضل كبير وميزة بالغة على منهج النظر والتأمل المحض ، إذ كان يستطيع كل متشكك في نتائج هذه الملاحظات والتجارب أن يعيدها ويكررها بنفسه للتحقق من صحتها أو بطلانها . وقد أهاب هذا الاتجاه ببعض الباحثين أن يأخذوا من الفلسفة العقلية بعض قضاياها فيخضعونه لهذا النوع من البحث التجريبي محاولين إقامة " علم " منها . كذلك أفادت الدراسات السيكولوجية من الطريقة التجريبية التي كان يستخدمها أيضا علماء الفيزيقا physics والتي أوحت بأنه من الممكن أن يصبح علم النفس تجريبيا بالمعنى الدقيق . فقد کشف علم الفيزيقا عن طبيعة المنبهات الحسية التي ترشق الإنسان من بيئته والتي تحدث الإبصار والسمع وغيرهما من الخبرات النفسية فقد اتضح مثلا أن اختلاف الألوان يرجع إلى اختلاف طول الموجه الضوئية وأن درجة الصوت تتوقف على سرعة تذبذب الجسم المصدر للصوت .. وكان المرتاب في صحة هذه النتائج يستطيع أن يعيدها بنفسه كما يريد . فبينما كان الباحثون في ميدان الدراسات النفسية يعوزهم أساس يوفق بين نتائج بحوثهم ، كان علماء الفسيولوجيا والفيزيقا يظفرون بمعلومات ثابته يعتمد عليها عن الأسس الفسيولوجية والفيزيقية للسلوك الظاهر والسلوك الباطن ذلك أنهم أعرضوا عن النظر البحث واتخذوا منهج البحث التجريبي . وقد كان في اتجاههم التجريبي هذا ما دفع علم النفس إلى إرساء قواعده على أسس علمية .

    نهاية القرن التاسع عشر :


    لم يكد القرن الماضي يهدف لنهايته حتى حدثت هزات ثلاث عنيفة أصابت علم النفس في موضوعه وقضاياه ومنهجه في البحث . وكان من أثرها أن أخذ يتحرر سريعا من قيوده القديمة وأن يتسع نطاقه ومجالاته وأن يصبح علما بالمعنى الحديث لهذه الكلمة . أما الانقلاب الأول فكان على يد العالم الأماني " فونت " Wunat  1832- 1920 ".

    • أ- فونت والاتجاه التجريبي


    يسمى هذا العالم " أبو علم النفس " " العلمي " فقد أسس أول معمل العلم النفس التجريبي بجامعة ليبزج بألمانيا عام 1879 وهو معمل مزود بأدوات وأجهزة خاصة لإجراء تجارب على الحواس المختلفة من سمع وبصر ولمس .. وأخرى على كيفية التذكر والتعلم والتفكير ، وتذبذب الانتباه والحكم على الزمان والمكان وقياس سرعة النبض والتنفس أثناء الانفعال لقد كان يظن أن العقل والشعور لا يمكن قياسهما ، أما منذ هذا التاريخ القريب فقد حق لعلم النفس أن يجد مكانا له إلى جانب العلوم الطبيعية 
    التجريبية  ، وأن يصبح علما مستقلا عن الفلسفة العامة من حيث منهجه في البحث . فبعد أن كان يعتمد في أكثر بحوثه على الحس والتخمين والتقدير الوصفي والملاحظات العابرة التي لا تقترن بالقياس المضبوط أصبح يعتمد على التجريب والتقدير الكمي لما يدرسه من ظواهر سيكولوجية والحق أن هذا الانقلاب كان ثورة على القديم من حيث منهج البحث لا من حيث النظريات . فقد كان فونت من اتباع المدرسة الترابطية التي ترى أن هدف علم النفس هو تحليل العمليات العقلية والخبرات الشعورية إلى عناصر

    كما يحلل الكيميائيون مختلف المواد إلى عناصر . وسرعان ما أسست معامل أخرى كثيرة في بلاد شتي وأخذ انتاجها يزداد زيادة مطردة . أما الانقلاب الثاني فجاء على يد العالم الانجليزي " دارون " Darwin (1809 .(1882-

    • ب - دارون والاتجاه الوظيفي


    أقنع دارون العالم بفكرة التطور العضوي وهي أن الأشكال العليا من الحياة تطورت من أشكال دنيا فالإنسان من الناحية الجسمية العضوية ما هو إلا الحلقة الأخيرة من سلسلة من التطورات تناولت الخليقة من أبسط صورها حتى وصلت بها إلى الإنسان . هذا إلى أنه وجه الأنظار إلى ما لاحظه من أوجه التشابه بين سلوك الحيوان وسلوك الإنسان فقد أصدر في عام 1873 كتابا عنوانه " التعبيرات الانفعالية عند الإنسان والحيوان " كانت فكرته الأساسية التي عززها بكثير من الأدلة أن كثير من انفعالات الإنسان

    لا معنى لها إلا إذا اعتبرناها بقايا متلكئة لا فائدة منها، من أسلاف الإنسان فأثناء الغضب الشديد مثلا يميل الإنسان إلى التكشير عن أنيابه وهذا سلوك لا فائدة منه للإنسان لكنه ذو فائدة للحيوان لأن من شأنه إخافة العدو واعداد الإنسان للعمل . فنحن نرث هذا السلوك غير المفيد كما نرث الزائدة الدودية . وقد كان لما أشار إليه من أن الخصائص الجسمية والنفسية للإنسان تطورت من خصائص الكائنات التي سبقته أثر عميق في علم النفس ، إذ قضى على الرأي الشائع الذي كان يقول بانفصال الحيوان عن الإنسان انفصالا جوهريا وهو الرأي الذي تضمنته نظرية " ديكارت " من أن الحيوان تحركه غرائز. - أي دوافع فطرية موروثة - وإن الإنسان يحركه العقل . من ثم اتجه الباحثون إلى دراسة سلوك الحيوان عسى أن تلقى هذه الدراسة بعض الضوء على سلوك الإنسان وحياته النفسية والعقلية . فبدأ علماء النفس وعلماء الأحياء يدرسون الحيوان ويتساءلون : " هل لدي الإنسان غرائز كتلك التي توجد لدى الحيوان ؟ " هل تستطيع الحيوانا أن تفكر ؟ "، " ألديها قدرة تشبه الذكاء عند الإنسان ؟" ، "في أي مستوى من مستويات التطور تبدأ العمليات العقلية ؟ " . والواقع أن دراسة الحيوان أفضت إلى علم النفس بفوائد كثيرة في القاء الضوء على تطور الذكاء ،

    وطبيعة عملية التعلم ، وأرحت بطرق جديدة مثمرة لدراسة سلوك الإنسان ومن المبادئ الأساسية لنظرية التطور " أن أقدر الكائنات الحية على التكيف للبيئة أصلحها للبقاء في معركة الحياة " وقد أوحى هذا المبدأ لبعض الباحثين أنه ربما كان العمليات العقلية فائدة ووظيفة في معركة الحياة والتنازع من أجل البقاء . فاتجهوا إلى البحث عن الدور التي تقوم به العمليات العقلية في حياة الفرد أو فائدتها في تكيفة لبيئته . ومن ثم أخذوا يتساعلون " ما فائدة التفكير للفرد أي ما وظيفته ؟ "، " ما وظيفة اللغة عند الإنسان ؟"، " ما وظيفة لعب الأطفال؟" "ما وظيفة الانفعال ؟" ، في أية ظروف يتدخل الذكاء ، وما فائدته في عملية التكيف ؟" ...

    فبعد أن كان علم النفس القديم لا يهتم إلا بتكوين العمليات العقلية وتحليلها ووصف مكوناتها ، إذا بهذا الاتجاه الجديد يهتم بدراسة الوظائف التي تقوم بها هذه العمليات لذا سمي " بالاتجاه الوظيفي " . ومؤداه أن العمليات العقلية - أي العقل - أدوات وظيفتها معونة الكائن الحي على التكيف لبيئته وكفاحه للبقاء . وبما أن كان كل نشاط يصدر عن الكائن الحي أثناء عملية التكيف لا بد أن يصدر عن دوافع فقد اهتم الوظيفي بناحية لم يحفل بها الاتجاه التكويني القديم ، ألا وهي دراسة الدوافع التي تثير السلوك .

    يضاف إلى هذا أن نظرية التطور أثارت موضوعات و مشکلات جديدة لم يعهدها علم النفس من قبل . فبدأ العلماء في أواخر القرن الماضي يهتمون ويبحثون في موضوعات مثل النمو النفسي في الفرد وفي النوع وتأثرهما بكل من الوراثة والبيئة ، علم نفس الطفل ، الفروق الفردية بين السلالات المختلفة .. أما الانقلاب الثالث والخطير الذي هز أركان علم النفس في أواخر القرن الماضي .. فكان على يد الطبيب النمسوي سجمند فرويد .(1856 - 1939 ) Freud  

    • ج- فرويد والاتجاه اللاشعوري


    ظل العلماء حتى أواخر القرن الماضي يظنون أن الحياة النفسية ليست أكثر من الحالات الشعورية التي يخبرها الفرد ويكون متفطنا إليها . كما ظلوا يفسرون جميع الظواهر النفسية بعمليات و عوامل شعورية ، حتي ظهرت لبعض أطباء النفس حالات مرضية لا يمكن تفسيرها وتأويلها إلا بافتراض عمليات و عوامل نفسية لا يشعر بها المريض ولا يفطن إلى وجودها إطلاقا ، ومع هذا فهي وثيقة الصلة باضطرابه النفسي : تحرك سلوكه ، وتذكي أعراض المرض فيه ، على غير علم أو إرادة منه . ومن ثم إفتراضو وجود جانب خفى من النفس يستتر وراء جانبها الشعوري وأطلقوا عليه اسم " الجانب اللاشعوري من النفس ، أو " اللاشعوري " أو العقل الباطن " . وقد كان للعالم " فرويد " الفضل في دراسة هذا الجانب المظلم من النفس ، والتدليل على وجوده ، والكشف عن خصائصه ، والنفاذ إلى مكنوناته ، وبيان أثره في سلوك الشخص السوي والشخص المنحرف الشاذ . لقد جاء فرويد بأدلة وبراهين كثيرة أثبت بها أن " الشعور " أي الحالات الشعورية في جملتها - ليس  إلا جزءا صغيرا يسيرا من الحياة النفسية باسرها ، وأن أثره في السلوك دون أثر " اللاشعور" بكثير . ومن ثم اتسع مدلول الحياة النفسية وامتدت أفاقها ، فانبسط ميدان علم النفس وموضوعه فبعد أن ظل قرونا يقتصر على دراسة الشعور ويسمى " علم الشعور " إذا به يرى نفسه مضطرا إلى أن يحسب للاشعور حسابا كبيرا في تفسير الظواهر السيكولوجية السوية والشاذة جميعا . وحسبنا أن نشير في هذا المقام إلى أن هذا الكشف الخطير قد ألقي الضوء وأعان على تفسير

    كثير من الموضوعات المعقدة والغامضة التي وقف العلماء حيالها موقف حيرة واختلاف كبير كموضوعات الأحلام والإلهام والنسيان ، وأساطير الأولين ، وطقوس الشعوب البدائية ، وألعاب الأطفال ، هذا إلى تلك الأعراض الشاذة الغريبة التي تتميز بها الأمراض النفسية والأمراض العقلية والانحرافات الجنسية وغيرها .


    الوضع الحاضر :

    تبين لنا من هذه اللمحة التاريخية أن علم النفس كان عليه - لكى يصبح علما مستقلا - أن يتلخص أولا من علم الإلهيات ، وأن يتحرر من الميتافيزيقا أي الفلسفة العامة ، من حيث منهجه في البحث ووجهة نظرة عل الأقل ، كما كان عليه أن ينتظر نضج علم الأحياء Biology وعلم وظائف الأعضاء physiology . ولقد لخص أحد علماء النفس المعاصرين ما لاقاه هذا العلم من تطورات بقوله ، لقد بدأ علم النفس بدراسة الروح لكن زهقت روحه ، ثم أصبح علم العقل لكن ذهب عقله ، ثم أصبح علم الشعور ولم يلبث أن فقد شعوره لكنه ما زال يحتفظ إلى حد ما بسلوكه ونضيف إلى هذا أنه بعد أن كان يهتم بتحليل العمليات العقلية وتكوينها أصبح يهتم بوظائفها من حيث هي أداة للتكيف للبيئة . وبعد أن كان لا يحفل بدراسة الدوافع أصبح يهتم بدراستها اهتماما كبيرا . وبعد أن كان يقتصر على دراسة الإنسان السوى الراشد أصبح يدرس فوق ذلك سلوك الأطفال والحيوانات والإنسان البدائي والمنحرف الشاذ إن علم النفس العلمي الجديد قد تكون ، وهو في سبيله إلى الاكتمال لقد كسب المواقع في كفاحه الطويل ، ولم يبق دونه إلا أن يكسب الحرب إنه العلم الذري يدرس السلوك في جميع صوره وأحواله وأطواره  . وهو لا يقنع من هذه الدراسة بمجرد وصف السلوك ، بل يحاول أن ينفذ إلى الصميم ليعرف الكيفية التي يتم بها السلوك حتى يتسنى له تفسيره في ضوء قوانين علمية عامة . فليست مهمة علم النفس مقصورة على تفسير حالات خاصة من السلوك بل وضع مبادئ وقواعد عامة لتفسير حالات كثيرة متعددة .


    NameE-MailNachricht